الشيخ محمد علي الأراكي

719

أصول الفقه

التعبّد الأوّل ، وأمّا سائر الأصول فليس مفادها إلّا إثبات نفس الواقع من غير نفى واثبات في موضوع اليقين . وأمّا إذا حملناه على المتيقّن فهو والأصول سواء حينئذ من حيث النظر إلى نفس الواقع ، فهذا تعبّد بالحرمة أو النجاسة مثلا ، وهما تعبّد بالحليّة والطهارة ، فأيّ ترجيح لأحدهما على الآخر . لكن يمكن دفعه بأنّه على الثاني ناظر إلى الشكّ وإلى إصلاح معارضته في مقام التأثير مع المتيقّن ، فإنّه فرض اجتماعهما في موضوع واحد ؛ إذ المفروض إلغاء خصوصيّة الزمان ، وبعد هذا الاجتماع والتعارض في التأثير حكم بترجيح جانب المتيقّن وإلغاء الشكّ ، فيكون له لسان الحكومة على سائر الأصول ، ويتحقّق له مقام البرزخيّة بين الأصل والأمارة ، فإنّ دليل الأمارة لسانه جعل الحكم بغرض رفع الشكّ ، والأصل لسانه جعل الحكم في موضوع الشكّ ومع حفظه ، وأمّا الاستصحاب فالشكّ معه محفوظ ، ولكنّه يفيد أنّه بلا حكم ، وإن كان هذا حكما أيضا ، لكن تعبيره هكذا يوجب حكومته على الأصل ، فإنّه قد حكم على موضوع الشكّ بلسان أنّه موضوع وله حكم . وأمّا الاستصحاب فلسانه أنّه لا قابليّة له بإعطاء الحكم في مقابل اليقين ، ولا اعتناء بشأنه في جنبه ، فليس لسانه رفع الشكّ وجودا ، كما في الأمارة ، ولا لسانه إعطاء الحكم للشكّ كما في الأصل ، بل لسانه نفي الحكم عن الشكّ ، كما في قوله عليه السلام : لا شكّ لكثير الشكّ ، وهذا معنى برزخيّته وتقدّمه على سائر الأصول ، ولعلّ هذا مراد شيخنا المرتضى طاب ثراه . وحاصل المقام أنّ الاستصحاب وأصل الإباحة وإن كانا بحسب اللبّ شيئا واحدا ؛ فإنّ الأوّل جعل الحكم المماثل مثلا في موضوع الشكّ ، وهذا جعل حكم الحليّة في موضوع الشكّ أيضا ، إلّا أنّ الفرق في اللسان وصورة الأداء اللفظي ، فالثاني إعطاء الحكم للشكّ والأوّل عدم الاعتناء بالشكّ الموجود في مقابل اليقين ، فهما مفارقان لدليل الأمارة في أنّه بلسان « لا ينبغي الشكّ » كما في قوله عليه السلام :